من هو المسلم؟ وماذا يمنح الاستسلامُ لله الإنسانَ؟ معنى كلمة التوحيد، وكيف تُنال الحرية الحقيقية بعبودية الله.
دُرُوسُ الْحَيَاة
دُرُوسُ
الْحَيَاة
الدَّرْسُ الْخَامِس · صِفَاتُ الْمُسْلِم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللَّه. وَكَمَا نَبْدَأُ كُلَّ عَمَلٍ خَيْرٍ بِالْبَسْمَلَة، فَإِنَّنَا نَبْدَأُ دُرُوسَ حَيَاتِنَا بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم.
الْفِهْرِس
الْمُحْتَوَيَات
للتنقّل: الأسهم في الأسفل، أو مفاتيح ← → في لوحة المفاتيح، أو السحب على الشاشة اللمسية.
الدَّرْسُ الْخَامِس
صِفَاتُ
الْمُسْلِم
مَن هو المسلم؟ أصلُ الكلمة، ومعنى «لا إله إلا الله»، وكيف تُحرّر الإنسانَ من كلّ عبوديّةٍ سواه؛ مع نماذج من الكبرِ والتوبةِ في سيرة الصحابة.
الدَّرْسُ الْخَامِس
أصلُ كلمةِ «مسلم» والاستسلامُ لله
«بِسْمِ اللَّه», «الْحَمْدُ لِلَّه», وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّه
أيها المشاهدون الأعزّاء الكرام! سأحاول اليوم أن أبيّن لكم ما هو الإيمان وما هو الإسلام، ومن هو المؤمن ومن هو المسلم؛ وكيف ينبغي أن يكون، وما صفاته، وما الذي ينبغي أن يفعله.
فما أصل كلمة مسلم؟ لننظر في ذلك. أصل كلمة مسلم هو الجذر س-ل-م. والسِّلم يعني الصلح؛ ويعني السكون والطمأنينة. وكلمة التسليم مشتقّة من هذا الجذر نفسه س-ل-م. وفي معنى كلمة مسلم معنى الاستسلام أيضًا.
والاستسلام يعني التعلّق بفكرةٍ أو عقيدةٍ أو أمرٍ أو رأيٍ والانقياد له. فكلمة مسلم تحمل في معناها السِّلم، أي الصلح والسكون والطمأنينة، وتحمل كذلك معنى الاستسلام والانقياد.
والخطوة الأولى ليصير المرء مسلمًا أن يقول: لا إله إلا الله. وكما تعلمون، نسمّي هذه الكلمة كلمة التوحيد. والتوحيد أن نوحّد الله وأن نعلم أنه واحد. وهي كلمة الإيمان؛ الكلمة التي تُبلّغ صاحبها الجنة وهي مفتاح الجنة.
ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحقٍّ سوى الله. والإله هو المعبود الذي لا يُتجاوز أمره، ويُموت في سبيله وفي هواه، ويُنفَّذ كلّ ما يقول.
وآلهةُ الناس تختلف. فمن كان مولعًا بالمال يفعل كلّ شيءٍ من أجله متى رآه، فالمال إلهُه. ومن كان مولعًا بالمرأة يفعل كلّ شيءٍ إذا ذُكرت، فالمرأة إلهُه. ومن كان يفعل كلّ شيءٍ من أجل التصفيق، فالتصفيق إلهُه. ومن كان يضحّي بكلّ شيءٍ من أجل الجاه، فقد جعل الجاه إلهًا.
والمسلم حين يقول لا إله إلا الله فكأنه يقول: لا أخضع لأيّ قوّةٍ ولا لأيّ جاهٍ، لا للمال ولا لأيّ قدرةٍ سوى الله. أقول لكلّ شيءٍ: لا، وأقول لكلّ شيءٍ: كلّا. لا أخضع إلا لله وحده. صرتُ عبدًا لله؛ آمنتُ به وتوكّلتُ عليه وانقدتُ لأمره واستسلمتُ له.
ولأنّ كلمة لا إله إلا الله تحرّر الإنسان من كلّ تعلّقٍ سواه وتربطه بالله، فإنها تمنحه الحرية بأصدق معانيها. فمن قال هذه الكلمة وصدّق بمعناها قلبًا وآمن به باطنًا ونطق به لسانًا، فهو حرٌّ مطمئنٌّ حقًّا؛ إذ لا يخاف أحدًا سوى الله، ولا يستسلم لشرٍّ، ولا يتراجع أمام شيء.
الدَّرْسُ الْخَامِس
طمأنينةُ المسلمِ وكلمةُ التوحيد
فالمسلم إذن هو الإنسان الذي صدّق بمعاني هذه الكلمة قلبًا وقبلها وآمن بها، ثم نطق بإيمانه لسانًا وأظهره في سلوكه إلى الخارج.
والمسلم إنسانٌ نال الطمأنينة الباطنة، وهو في صلحٍ مع الله ومستسلمٌ له. قد وجد تلك الطمأنينة وبلغ السعادة. ويحمل هذه السعادة التي في داخله إلى الآخرين؛ يعلّمها الناس ويكون لهم قدوة.
ولا إله إلا الله كلمةٌ في غاية الجمال والقيمة. وهي من الجمال بحيث إنّ موسى عليه السلام — الذي شُرّف بكلام الله، ويُسمّى كليم الله، وهو من كبار الأنبياء أولي العزم — توجّه يومًا إلى ربّه بطلب.
تضرّع موسى عليه السلام إلى الحقّ جل جلاله قائلًا: يا ربّ، اصطفيتني نبيًّا وجعلتني كليمك؛ فأعطني كلمةً لم تعطها أحدًا، أحبَّ الكلام إليك، أذكرك بها ليلًا ونهارًا. فأمره الله ذو الجلال: يا موسى، قل لا إله إلا الله.
فلما قال موسى عليه السلام: يا ربّ، هذه يقولها كلّ عبدٍ مؤمنٍ لك؛ إنما سألتُ الكلمة الأعزّ عندك التي لم تعطها أحدًا — أجابه الله تعالى: ومع ذلك يا موسى، ليس عندي كلمةٌ أعزّ من لا إله إلا الله.
فها أنتم ترون أنّ لا إله إلا الله أحبّ الكلام إلى الله وأعزّه. والحمد لله، نستطيع أن نقولها بيسرٍ. وفي الحقيقة ليس قولُ لا إله إلا الله بالأمر السهل. إنما يسهل علينا لأننا نقوله دائمًا؛ ولكن كثيرًا من الناس لا يقدرون على قوله البتّة.
وكما حاولتُ أن أذكر في مطلع الحديث، هناك أناسٌ خضعوا لأنفسهم، ووقعوا في هواجس معيّنة، وصاروا أسرى أهوائهم. فهؤلاء الذين لم يقدروا أن يقولوا: لا، لتلك الأشياء، ولم يتخلّصوا من تأثيرها، لا يقدرون أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وكما تعلمون، كان أبو جهل من دهاة العرب. كان رجلًا ذا عبقريةٍ حقًّا. فهناك أناسٌ من أهل العقول الكبيرة والأذهان الفائقة نسمّيهم دهاة العرب. لكنّ أبا جهلٍ لم يستطع أن يؤمن بنبيّنا وبالله؛ لم يستطع أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. لماذا؟ لأنه لم يُعمِل عقله.
وقع أبو جهلٍ ضحيةَ كبره وحسده. ولأنه كان من أغنى أهل زمانه وأذكاهم وأقواهم، اعتاد أن يستغلّ الضعفاء وأن يُنفَّذ له كلّ ما يقول.
الدَّرْسُ الْخَامِس
الكبرُ والحسدُ: أبو جهلٍ وأبو لهب
يقول نبيّنا صلى الله عليه وسلم: الناس في الإسلام سواءٌ كأسنان المشط. فالناس جميعًا عند الله سواءٌ من حيث كونهم عبيدًا له. لم يستطع أبو جهلٍ أن يقبل هذا، ولم يطاوعه كبره على ذلك. قال: أأقف جنبًا إلى جنبٍ، مساويًا، للرجل الذي أستأجره وأدفع له ليعمل عندي؟ لن أقبل هذا أبدًا. فغلبه شعور الكبر ولم يُعمِل عقله.
وكذلك أبو لهبٍ — مع أنه كان عمَّ نبيّنا وكان يُعدّ من الدهاة — لمّا أعلن نبيّنا نبوّته وأنّ الله كلّفه بها، قال: يا ابن أخي، ربّيتُك على ركبتي وفي حجري؛ أفأُومن الآن بطفلٍ نبيًّا وأتّبعه؟ فهو أيضًا لم يطاوعه كبره، وصار أسير عاطفته، ولم يُعمِل عقله، ولم يستطع أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
والحمد لله، مع أننا لم نرَ حتى معجزات نبيّنا عليه السلام، نستطيع أن نقول هذه الكلمة بيسرٍ. فما أسعدنا! اللهمّ لا تفرّق بيننا وبين هذه الكلمة.
اللهمّ اجعلنا ممن ينالون شرف قول هذه الكلمة ونعمتها في حياتنا وفي موتنا وفي قبرنا وعند المسير إلى المحشر وفي المحشر وفي كلّ مكان.
ولا إله إلا الله كلمةٌ مباركةٌ حتى إنّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم يخبرنا: إذا قال العبد لا إله إلا الله بمشاعر صادقةٍ وإيمانٍ خالصٍ، صعدت هذه الكلمة إلى العرش. تخرق أبواب السماوات السبع حتى تبلغ العرش، لا يردّها شيء.
فتَمثُل بين يدي الله وتأخذ في الارتجاف. فيقول لها الحقّ جل جلاله: لِمَ ترتجفين، ممّ تخافين؟ فتقول تلك الكلمة: كيف لا أرتجف وكيف لا أخاف حتى أسمع أنك غفرتَ للعبد الذي قالني؟ فانظروا إلى هذه البشرى! فبحسب ما يخبرنا به نبيّنا صلى الله عليه وسلم، يقول الله جل جلاله: قد غفرتُ له.
وفي سيرة نبيّنا صلى الله عليه وسلم أحداثٌ كثيرةٌ متعلّقةٌ بهذا.
ومن القادة النابهين الذين آذوا الإسلام والمسلمين كثيرًا خالدُ بن الوليد. ففي غزوة أُحدٍ كان قائدًا مشركًا نابهًا تسبّب في استشهاد كثيرٍ من المسلمين وفي معاناتهم الشديدة. وفي تلك المعركة التي استُشهد فيها حمزةُ رضي الله عنه، كم آذى المسلمين. وقبل ذلك أيضًا كان قائدًا مشركًا قاسي القلب يعامل المسلمين بمنتهى الشدّة.
ثم رأى يومًا أنهم يملكون كلّ الإمكانات المادية: الكثرةَ العددية والثروةَ والقوّة. ومع ذلك، مع أنه لم يجتمع حول نبيّنا عليه السلام إلا الفقراء والمساكين، كان نبيّنا يزداد نموًّا، وهم يراوحون مكانهم.
الدَّرْسُ الْخَامِس
توبةُ القادةِ وإسلامُ خالدٍ وعمرو
فجلس وتفكّر: في الأمر خللٌ ما. نحن نملك كلّ شيءٍ ومع ذلك نتراجع، ومحمدٌ يتقدّم. في هذا خللٌ ما. ثم عزم: سألتحق أنا أيضًا به.
وكذلك كان رجلٌ عظيمٌ آخر من دهاة العرب هو عمرو بن العاص. كان عمرو بن العاص رجلًا بالغ الفطنة. وقد فكّر بالطريقة نفسها تمامًا.
وكان هذان من أشدّ الناس إيذاءً لنبيّنا. وفي الوقت نفسه قالا: هلمّ نذهب إلى المدينة ونُسلم. فخرجا في حرّ الظهيرة، لأنّ أهل مكة كانوا ينامون في حرّ الظهيرة ويقومون إذا برد الجو. اختارا هذا الوقت لئلا يراهما أحد، فقد كانا في مقدّمة من يحرّضون الناس على نبيّنا.
عزما على الذهاب إلى المدينة ليؤمنا بنبيّنا. خرج كلاهما من مكة في حرّ الظهيرة. وخارج مكة، في الطريق إلى المدينة، استراحا في ظلّ صخرةٍ وانتظرا أن يزول الحرّ.
فوجد خالدُ بن الوليد عمرَو بن العاص مضطجعًا في ظلّ الصخرة نفسها التي همّ بالاستراحة عندها. فقد سبقه عمرٌو وكان يستريح. فسأله: يا عمرو، ما هذا الحال؟ ثم قال أحدهما للآخر: جئتُ لِعين ما جئتَ له. ولأنهما كانا من أهل الفراسة والذكاء الفائق، أدرك كلٌّ منهما مقصد الآخر من سلوكه. فقدما إلى المدينة معًا.
وقبل أن يبلغا المدينة المنوّرة، قال خالدُ بن الوليد لعمرو بن العاص: يا عمرو! نحن ذاهبان إلى حضرة رجلٍ رفيعٍ هكذا، النبيِّ محمدٍ المصطفى صلى الله عليه وسلم. تعالَ نغتسل ونتطهّر ثم نذهب إليه على هذه الحال.
ولمّا مثَلا بين يديه قال عمرو بن العاص: إن غُفر ما مضى من أمري أسلمتُ. فقال نبيّنا:
الدَّرْسُ الْخَامِس
«الإسلامُ يَهدِمُ ما كان قبله»
أَلَمْ تَعْلَمْ يَا عَمْرُو أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ
فمن قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لم نسأله عمّا مضى. لا نشتغل بالماضي ولا بالتخلّف. سنمضي إلى الأمام وننظر إلى ما هو آتٍ.
فأسلم خالدُ بن الوليد وصار من أعزّ رجال الإسلام.
فلا تفارق هذه الكلمةُ ألسنتنا؛ ولنقلها ونحن نعلم معناها. ولنقلها في قبرنا أيضًا. ولنقلها ونحن سائرون إلى المحشر أيضًا. يقول نبيّنا: إني لأرى المؤمنين يقومون في البعث ينفضون عنهم الغبار وهم يقولون لا إله إلا الله.
اللهمّ ارزقنا أن نُبعث بهذه الكلمة، وأن نسلّم أرواحنا في آخر أعمارنا ونحن نقولها، وأن نقوم من قبورنا على هذه الحال، وأن ننال فضل الله بقول هذه الكلمة طوال حياتنا.
في أمان الله. حفظكم الله، أيها المستمعون الأعزّاء.
الْقُرْآنُ الْكَرِيم
الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّة
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
مع أنّ هذا يُنقل حديثًا، فإنّ إسناده مُقوَّمٌ بالضعف الشديد. وأصلُ المساواة بين الناس في الخلق وكون التفاضل بالتقوى يشهد له قوله تعالى في سورة الحجرات، وأدلّةٌ صحيحةٌ أخرى. (الحجرات ٤٩/١٣)السُّنَّةُ النَّبَوِيَّة
مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَة
لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ
ما رُوي من أنّ موسى عليه السلام سأل الله كلمةً خاصّةً يذكره بها فعُلِّم لا إله إلا الله يُروى في مصادر متعددة. وفي اللفظ المشهور: لو وُضعت السماوات السبع والأرض في كفّةٍ ووُضعت كلمة التوحيد في الأخرى لرجحت بهنّ كلمةُ التوحيد. وقد حُفظ سرد الخوجه أفندي الحرّ في النصّ. وجوهره:أَلَمْ تَعْلَمْ يَا عَمْرُو أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ
قول الإسلام يهدم ما كان قبله قِيل حين اشترط عمرو بن العاص عند إسلامه أن يُغفر له. واللفظ العربي مذكورٌ في النصّ. المصدر: مسلم، كتاب الإيمان، على مستوى الكتاب والباب.مُعْجَم
الْمُصْطَلَحَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الدَّرْس
مُعْجَم
الْمُصْطَلَحَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الدَّرْس (تتمّة)
مُعْجَم
الْمُصْطَلَحَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الدَّرْس (تتمّة)
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين
«وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.»
دُرُوسُ الْحَيَاة · الدَّرْسُ الْخَامِس
دُرُوسُ الْحَيَاة
جُمِعت من دروس فضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى جواد أكشيت.
المحرِّر
فُرْقَان مَحْمُوت تَامَرْأوغْلُو
استخدم الأسهم أو اسحب لتصفّح الصفحات
